الغزالي
6
إحياء علوم الدين
في بعض الأحوال : لكن دبره تدبيرا يصل إلى كل مشتغل بعبادة الله تعالى في كل أسبوع قرص شعير أو حشيش بتناوله لا محالة . والغالب أنه يصل أكثر منه ، بل يصل ما يزيد على قدر الحاجة والكفاية . فلا سبب لترك التوكل إلا رغبة النفس في التنعم على الدوام ولبس الثياب الناعمة ، وتناول الأغذية اللطيفة ، وليس ذلك من طريق الآخرة . وذلك قد لا يحصل بغير اضطراب ، وهو في الغالب أيضا ليس يحصل مع الاضطراب ، وإنما يحصل نادرا . وفي النادر أيضا قد يحصل بغير اضطراب ، فأثر الاضطراب ضعف عند من انفتحت بصيرته فلذلك لا يطمئن إلى اضطرابه ، بل إلى مدبر الملك والملكوت تدبيرا لا يجاوز عبدا من عباده رزقه وإن سكن ، إلا نادرا ندورا عظيما يتصور مثله في حق المضطرب فإذا انكشفت هذه الأمور ، وكان معه قوة في القلب وشجاعة في النفس ، أثمر ما قاله الحسن البصري رحمه الله إذا قال : وددت أن أهل البصرة في عيالي وأن حبة بدينار . وقال وهيب بن الورد : لو كانت السماء نحاسا ، والأرض رصاصا ، واهتممت برزقي ، لظننت أنى مشرك فإذا فهمت هذه الأمور فهمت أن التوكل مقام مفهوم في نفسه ، ويمكن الوصول إليه لمن قهر نفسه . وعلمت أن من أنكر أصل التوكل وإمكانه أنكره عن جهل ، فإياك أن تجمع بين الإفلاسين ، الإفلاس عن وجود المقام ذوقا . والإفلاس عن الإيمان به علما فإذا عليك بالقناعة بالنذر القليل ، والرضا بالقوت فإنه يأتيك لا محالة وإن فررت منه وعند ذلك على الله أن يبعث إليك رزقك على يدي من لا تحتسب . فإن اشتغلت بالتقوى والتوكل شاهدت بالتجربة مصداق قوله تعالى * ( ومن يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَه ُ مَخْرَجاً ويَرْزُقْه ُ من حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ « 1 » ) * الآية إلا أنه لم يتكفل له أن يرزقه لحم الطير ولذائذ الأطعمة فما ضمن إلا الرزق الذي تدوم به حياته . وهذا المضمون مبذول لكن من اشتغل بالضامن واطمأن إلى ضمانه . فإن الذي أحاط به تدبير الله من الأسبابا الخفية للرزق أعظم مما ظهر للخلق . بل مداخل الرزق لا تحصى ، ومجاريه لا يهتدى إليها ، وذلك لأن ظهوره على الأرض وسببه في السماء . قال الله تعالى * ( وفي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وما تُوعَدُونَ « 2 » ) * وأسرار السماء لا يطلع عليها . ولهذا دخل جماعة على الجنيد ، فقال ما ذا تطلبون ؟ قالوا نطلب الرزق . فقال
--> « 1 » الطلاق : 1 ، 2 « 2 » الذاريات : 22